ابن رشد

118

تهافت التهافت

الواحد بعينه تلفى للقمر ولجميع الكواكب ، فإن لكلها أفلاكا مائلة وهي تفعل فصولا أربعة في حركاتها الدورية ، وأعظم من هذه كلها في ضرورة وجود المخلوقات وحفظها الحركة العظمى اليومية الفاعلة لليل والنهار ، وقد نبه الكتاب العزيز على العناية بالإنسان لتسخير جميع السماوات له في غير ما آية ، مثل قوله سبحانه : سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ الآية . فإذا تأمل الإنسان هذه الأفعال والتدبيرات اللازمة المتقنة عن حركات الكواكب ورأى الكواكب تتحرك هذه الحركات ، وهي ذوات أشكال محدودة ومن جهات محدودة ونحو أفعال محدودة وحركات متضادة علم أن هذه الأفعال المحدودة إنما هي عن موجودات مدركة حية ذوات اختيار وإرادة . ويزيده إقناعا في ذلك إذ يرى أن كثيرا من الأجسام الصغيرة الحقيرة الخسيسة المظلمة الأجساد التي هاهنا لم تعدم الحياة بالجملة على صغر أجرامها وخساسة أقدارها وقصر أعمارها وأظلام أجسادها ، وأن الجواد الإلهي أفاض عليها الحياة والإدراك التي بها دبرت ذاتها وحفظت وجودها ، علم على القطع أن الأجسام السماوية أحرى أن تكون حية مدركة من هذه الأجسام لعظم أجرامها وشرف وجودها وكثرة أنوارها كما قال سبحانه : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . وبخاصة إذا اعتبر تدبيرها للأجسام الحية التي هاهنا علم على القطع أنها حية فإن الحي لا يدبره إلا حي أكمل حيوة منه . فإذا تأمل الإنسان هذه الأجسام العظيمة الحية الناطقة المختارة المحيطة بنا ونظر إلى أصل ثالث وهو أن عنايتها بما هاهنا هي غير محتاجة إليها في وجودها علم أنها مأمورة بهذه الحركات ومسخرة لما دونها من الحيوانات والنبات والجمادات ، وأن الآمر لها غيرها وهو غير جسم ضرورة ، لأنه لو كان جسما لكان واحدا منها . وكل واحد منها مسخر لما دونه هاهنا من الموجودات وخادم لما ليس يحتاج إلى خدمته في وجوده ، وأنه لولا مكان هذا الآمر لما اعتنت بما هاهنا على الدوام والاتصال لأنها مريدة ولا منفعة لها خاصة في هذا الفعل ، فإذا إنما يتحرك من قبل الأمر والتكليف الجرم المتوجه إليها لحفظ ما هاهنا وإقامة وجوده ، والآمر هو اللّه سبحانه وهذا كله معنى قوله تعالى : أَتَيْنا طائِعِينَ . ومثال هذا في الاستدلال لو أن إنسانا رأى جمعا عظيما من الناس ذوي خطر وفضل مكبين على أفعال محدودة لا يخلون بها طرفه عين مع أن تلك الأفعال غير ضرورية في وجودهم وهم غير محتاجين إليها لأيقن على القطع أنهم مكلفون ومأمورون